عبارة البحث  

عودة إلى الباب الفهرس    عناوين الفصول     عناوين النصوص
 
الفصل الثاني نعمة الوقت

للوقت أهمية كبيرة في الإسلام، وفي الاستفادة من الوقت بما يرضي الله ورسوله إنجاز كبير وأجر عظيم. وللدلالة على أهمية الوقت فقد أقسم الله عز وجلّ ببعض الأوقات في مواضع عديدة من القرآن الكريم:
{ وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر: 1 ـ 2]
{ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ } [التكوير: 17 ـ 18]
{ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى? * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى?} [الليل: 1 ـ 2]
{ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ } [العصر: 1 ـ 2]
{ وَالضُّحَى? * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى?} [الضحى: 1 ـ 2]

ومعروف أن الله إذا أقسم بشيء من خلقه، دل ذلك على أهميته وعظمته، وليلفت الأنظار إليه، وينبه إلى جليل منفعته.
ويقول تعالى أيضاً: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} [الإسراء: 12].

وما ذلك إلا لتأكيد أن هذه الأوقات هي جزء من الزمن الذي يمضي في حياة كل فرد فينا، وعلينا أن نغتنم كل لحظة فيه، كما يقول رسول الله (ص): «اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناءك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك»(290)، وفي حديث آخر: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن علمه ما فعل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه»(291).

وفي هذين الحديثين إشارة بالغة إلى الاستفادة من الوقت الذي يمضي ولن يعود، فعمر الإنسان محدود. وكل يوم يمر، بل كل ساعة أو دقيقة، تذهب لا مجال لاستعادتها، مهما كان الثمن. وكما قال الشاعر:
دقات قلب المرء قائلة له             إن الحياة دقائق وثواني

والزمن ثلاثة أوقات: وقت مضى لا قبل للإنسان فيه بعد أن مضى، إلا أن يكون له فيه تذكرة وعبرة؛ ووقت مستقبل لا يدري الإنسان ما الله فاعل به فيه، أيعيش إليه، أم يكون من الراحلين. ووقت حاضر، عليه أن يعمل ويكسب لدنياه وآخرته أقصى ما فيه، وكما يقول علي بن أبي طالب (ر): «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً». والمفلح من استطاع أن يستفيد من حاضره ليبني المستقبل، عمارة للأرض كما أمره الله، وليتزود لآخرته بما يستطيع. يقول عبد الله بن مسعود (ر): «ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي، ولم يزد فيه عملي».

وعن ابن عباس (ما) أنه قال: قال رسول الله (ص): «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ»(292)، والغبن هو أن تشتري الشيء بأضعاف ثمنه، ورحم الله القائل: «لو كان الوقت سلعة لاشتريتها بأي ثمن».

والفراغ وقت مقتول، يقول عبد الله بن مسعود (ر): إني لأمقت الرجل أن أراه فارغاً ليس في شيء من عمل الدنيا ولا عمل الآخرة. لذلك على الإنسان، إذا فرغ من شغله مع الناس، ومن شواغل الدنيا أن يتوجه بقلبه إلى ربه وخالقه مصلياً، ذاكراً، مستغفراً، قارئاً للقرآن، كما يقول عز من قائل: { فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى? رَبِّكَ فَارْغَب } [الشرح: 7 ـ 8].

يقول إبراهيم بن شيبان: «من حفظ على نفسه أوقاته فلا يضيعها بما لا رضا لله فيه، حفظ الله عليه دينه ودنياه».

ولما كان للوقت تلك الأهمية القصوى، فقد حرص الإسلام على الاستفادة منه حتى آخر لحظة في العمر، فقد ذكر الطبراني في الجامع الكبير عن عمارة بن خزيمة بن ثابت قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبي: «ما يمنعك أن تغرس أرضك؟ فقال له أبي: أنا شيخ كبير أموت غداً، فقال له عمر: أعزم عليك لتغرسها، فقال عمارة: فلقد رأيت عمر بن الخطاب يغرسها بيده مع أبي».

ولعل في حديث رسول الله (ص) عن زرع الفسيلة عند قيام الساعة خير دليل وبرهان على أهمية الاستفادة من كل لحظة في الحياة وحتى آخر لحظة في العمر في ما يرضي الله عز وجل من أعمال الخير في الدنيا، ومن زاد إلى الآخرة، يقول رسول الله (ص) : «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألاّ يقوم حتى يغرسها فليغرسها»(293)، تلك سنة الله التي أرادها في خلقه، زرع الأرض وعمارتها حتى قيام الساعة.

ولكي تتحقق الاستفادة القصوى من الوقت لا بد من حسن التنظيم وحسن إدارة الوقت. وإذا كان علم «إدارة الوقت» من العلوم الحديثة التي توصل الإنسان إلى وضع أصولها ومبادئها في القرن الماضي، فلقد نبه الإسلام إلى هذا منذ ما يزيد على أربعة عشر قرناً حين شرع الصلاة وأوقاتها: {إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103] ، ولعل في توزيع أوقات الصلاة من الفجر حتى العشاء ما يساعد على تنظيم وقت العمل وإدارته.

فالعمل يبدأ بعد صلاة الفجر، وقد كان رسول الله (ص) يوقظ ابنته فاطمة الزهراء إلى صلاة الفجر ويقول لها: «حي على الرزق». وكان عليه الصلاة والسلام يقول: «بورك لأمتي في بكورها»(294).

وأفضل ما تكون القدرة على الإنتاج عند الإنسان في الصباح، فإذا ما استيقظ المرء من نومه وصلى الصبح في جماعة ثم ذكر الله حتى تطلع الشمس، كما يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من صلى الغداة في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين: كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة»(295)، ثم ذهب إلى عمله، فإنه يرى في نفسه طاقة على الإنتاج لا مثيل لها طوال النهار، حتى إذا ما انتصف النهار، بعد عمل وكد، كان الظهر أذاناً لانتهاء هذه الفترة من العمل، وكانت صلاة الظهر، فسحة جديدة ليتصل العبد بربه وخالقه، يقدم بين يديه ما عمل، ويقوِّم ما صدر عنه من خطأ أو زلل، لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.

أما إذا صلى صلاة الضحى في الوقت المناسب بُعَيْدَ طلوع الشمس إلى قُبَيْل الظهيرة، ودعا ربه بهذا الدعاء أو بغيره: «اللهم إن الضُّحاءَ ضُحاؤك، والبهاء بهاؤك، والجمال جمالُك، والقوة قوتك، والقدرة قدرتك، والعصمة عِصْمَتُكَ. اللهم إن كان رزقي في السماء فأنْـزِلْه، وإن كان في الأرض فأخرجه، وإن كان حراماً فَطهِّرْه، وإن كان مُعْسَراً فيسِّره، وإن كان بعيداً فقرِّبه. اللهم بحق ضحائِك وبهائِك وجمالك وقوتك وقدرتك آتني ما آتيت به عبادك الصالحين»، كانت صلاته ودعاؤه فرصة جديدة ومدداً قوياً ليتابع عمله بهمة وإخلاص وثبات وإتقان.

وبين صلاتي الظهر والعصر، يُستحب للإنسان أن يأخذ بعضاً من القيلولة، وهي قليل من النوم أو الاستراحة وقت الظهيرة، فقد ورد عن رسول الله (ص) أنه قال: «قيلوا فإن الشياطين لا تقيل»، ولذلك فإن نومة القيلولة مستحبة عند جمهور العلماء، فهي تعطي الجسم والنفس حظهما من الراحة في النهار، حتى إذا جاء الليل كان الإنسان قادراً على القيام والتهجد والطاعة فيه(296). يقول الخطيب الشربيني: يُسنُّ للمتهجد القيلولة وهي بمنـزلة السحور للصائم، وفي حديث للرسول عليه الصلاة والسلام، أخرجه ابن ماجه والطبراني عن ابن عباس، يقول فيه: «استعينوا بطعام السَحَر على صيام النهار، وبالقيلولة على قيام الليل»(297). وقد ثبت علمياً أن مدة القيلولة في النهار تجزئ الجسم عن مدة مضاعفة من نوم الليل. والقيلولة من شيم الصالحين، وقد كان السلف الصالح رضوان الله عليهم يحرصون عليها أشد الحرص لما لها من أثر كبير في راحة الجسد بعد الجهد والتعب في الفترة الصباحية.

ويتابع الإنسان عمله بين صلاتي العصر والمغرب بهمة عالية ونشاط أكيد، كما بدأه أول النهار، وقد كره علي بن أبي طالب (ر) النوم بعد صلاة العصر حيث يقول: «نومة العصر تورث الحُمق».

أما في الفترة ما بين المغرب والعشاء فلقد حضّ الإسلام على ذكر الله فيها لمن استطاع، فعن ابن عمر (ما) قال: صلينا مع رسول الله (ص) المغرب، فرجع من رجع، وعقَّب من عقَّب ـ أي أقام عقب الصلاة ـ فجاء رسول الله مسرعاً قد حفزه النفس ـ أي تعب من سرعة المشي ـ فقال : أبشروا هذا ربكم قد فتح لكم باباً من أبواب السماء، يباهي بكم الملائكة، يقول: «انظروا إلى عبادي، قد قضوا فريضة ـ أي المغرب ـ وهم ينتظرون أخرى، أي العشاء»(298).

فإذا دخل العشاء كان النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة الكرام رضوان الله عليهم يقومون من الليل بعضاً منه، كما يخبرنا الله عز وجل في القرآن الكريم: { إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى? مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ } [المزمل: 20] . وعن أم المؤمنين عائشة (را) قالت: «كان النبي (ص) ينام أول الليل، ويحيي آخره»(299).

من هذا كله يتبين أن أوقات الصلوات المفروضة تشكل فاصلاً زمنياً خلال أوقات النهار يستطيع المسلم أن يضع برنامجه اليومي على أساسها؛ فيحصل من خلاله على أفضل النتائج في عمله وسعيه، وفي عبادته وذكره لربه.

وهذا الفصل يساعد النفس على الخروج من الرتابة، وعلى عدم الملل، ومن ثم على استغلال أكبر قدر ممكن من الوقت والاستفادة منه.

وإذا كانت حكمة الله في الوقت أن قسَّم الليل والنهار إلى أجزاء تفصل بينها الصلاة المفروضة، وبعض النوافل لمن أحب، لتكون هذه الصلوات تواصلاً وملجأً للعبد إلى ربه، فإن حكمته عز وجل قد اقتضت زاداً روحياً بين وقت وآخر في محطات زمنية مختلفة. ففي كل أسبوع ينادي رب العالمين عباده إلى صلاة الجمعة: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى? ذِكْرِ اللَّهِ } [الجمعة: 9] ، فاللقاء هو لذكر الله، ولسماع خطبة الجمعة، وما فيها من تدارس لأوضاع المسلمين، وما يمر بهم من شؤون وشجون عليهم أن يتدبروها.

كما أنَّ من حكمته تعالى أن فرض الصيام في شهر رمضان من كل عام، وميزه عن باقي الشهور بأن صفَّد الشياطين فيه، وكبلهم حتى لا يوسوسوا في نفوس المسلمين، وجعل في هذا الشهر الكريم من الروحانيات ومضاعفة الثواب على الأعمال الحسنة تشجيعاً على فعل الخيرات وزاداً روحياً لعام قادم.

يقول (ص) في حديث جامع: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتُنِبت الكبائر»(300).

كما جعل العشر الأوائل من ذي الحجة أياماً فضيلة خصها بكثير من الميزات، وجعل صوم يوم التاسع من ذي الحجة أي يوم الوقوف بعرفة لغير الحجاج مكفراً لسنة قبله وسنة أخرى بعده، كما في الحديث: «صيام يوم عرفة، أحتسب على الله أنه يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده»(301).

وتبقى المحطة الإيمانية الأهم في حياة المسلم أداءه فريضة الحج، ذلك أن الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة. ومن حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه، كما ورد في الحديث الذي ذكرناه في نعمة الحج.

يقول أحد الصالحين: «أوقات العبد أربعة لا خامس لها: النعمة، والبلية، والطاعة، والمعصية، ولله عليك في كل وقت منها سهم من العبودية يقتضيه الحق منك بحكم الربوبية: فمن كان وقته الطاعة، فسبيله شهود المنة من الله عليه أن هداه لها ووفقه للقيام بها. ومن كان وقته النعمة فسبيله الشكر، ومن كان وقته المعصية فسبيله التوبة والاستغفار، ومن كان وقته البلية فسبيله الرضا والصبر».

ويقول ابن القيم: «إضاعة الوقت أشد من الموت: لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها».

ومن لا يعرف قيمة نعمة الوقت فيهملها ويفرط بها، تصبح حياته فراغاً مدمراً، ويصبح الفراغ عدواً له، فتراه يقتل هذا الفراغ كيفما كان، وهو لا يدري أنه يقتل نفسه بذلك، لأن الوقت هو الحياة. وإهدار الوقت هو إضاعة الحياة، وهذا ما يسبب للإنسان اكتئاباً شديداً فيصبح مثل الدابة التي تأكل لتنام، وتنام لتأكل، ولهذا نرى كثيراً من غير المسلمين ممن ملكوا كل شيء من حطام الدنيا، كثيراً ما يُنْهُون حياتهم بالانتحار بعد إصابتهم بالاكتئاب والإدمان، وغير ذلك من الأمراض المستعصية.
يقول العلامة الشيخ يوسف القرضاوي: «وأول واجب على الإنسان نحو وقته أن يحافظ عليه كما يحافظ على ماله، بل وأكثر منه. وأن يحرص على الاستفادة من وقته كلِّه في ما ينفعه في دينه ودنياه ويعود على أمته بالخير والسعادة والنماء الروحي والمادي». وقد كان السلف الصالح ـ أحرص ما يكونون على أوقاتهم لأنهم كانوا أعرف الناس بقيمتها. يقول الحسن البصري: «أدركت أقواماً كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصاً على دراهمكم ودنانيركم»، وكان عمر بن عبد العزيز يقول: «إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما». وكانوا يقولون: «من علامات المقت إضاعة الوقت»، ويقولون: «الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك». وكانوا يحاولون دائماً الترقي من حال إلى حال أحسن منها بحيث يكون يوم أحدهم أفضل من أمسه، وغده أفضل من يومه ويقول في هذا قائلهم: «من كان يومه كأمسه فهو مغبون، ومن كان يومه شراً من أمسه فهو ملعون».

ويقول أحد الحكماء: «من أمضى يوماً من عمره في غير حق قضاه، أو فرض أدّاه، أو مجد أثله، أو حمد حصله، أو خير أسسه، أو علم اقتبسه، فقد عق يومه وظلم نفسه».

ويقول الوزير ابن هبيرة:
والوقتُ أنفسُ ما عُنِيْتَ بحفظِهِ             وأراهُ أسهلَ ما عليك يضيعُ

عودة إلى الباب الفهرس    عناوين الفصول     عناوين النصوص