عنوان المقالة: هل الموت نعمة أم نقمة؟
المشارك: الدكتور عبد الإله ميقاتي               البلد: لبنان
النص :

هل الموت نعمة أم نقمة؟

    هل يجوز الحديث عن «نعمة الموت»؟ والله جل جلاله قد سمى الموت «مصيبة»، في قوله تعالى في سورة المائدة من الآية 106 (فأصابتكم مصيبة الموت)، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم سماه «هادم اللذات» عن أبي سعيد الخدري قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً مصلاه، فرأى أناساً كأنهم يكثرون، فقال:  (أما إنكم لو أكثرتم ذكر هادم اللذات لشغلكم عما أرى. أكثروا من ذكر هادم اللذات، ومفرِّق الجماعات، فإنه ما ذُكِر في كثير- أي من المعاصي- إلا قَلَّلَه، وما ذكر في قليل- أي من الطاعات- إلا كَثَّرَه) (1).
   يقول د. محمد سعيد رمضان البوطي بأن «الذي يجعل الموت مصيبة، حقيقة إعراض الإنسان عن الموت، ومن ثمَّ عدم تهيئه للموت الذي هو مقبل إليه، وعدم تهيئه لما بعد الموت» وجميع الناس تعلم تمام العلم بأن الموت هو القدر الذي لا يمكن لأحد أن يفرَّ منه (قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم) [الجمعة: 8](2).
وساعة الموت للميت مصيبة إذا عاش حياته في غفلة عن لقاء ربه وانغمس في الشهوات والملذات. «وما أجمل ما قاله سلمة بن دينار، أبو حازم، رضي الله عنه يوم زاره الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك. وسأله: يا أبا حازم، ما لنا نكره الموت؟ فقال: سلمة: لأنكم عمَّرتم دنياكم، وخربتم آخرتكم، فكرهتم أن تنتقلوا من دار عمار إلى دار خراب. قال له: كيف القدوم على الله؟ فقال له: أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله، وأما المسيء فكالعبد الآبق- أي الفار- يُجَرُّ إلى مولاه»(3).
ويضرب الدكتور البوطي مثلاً على ذلك إنساناً استأجر داراً لعشر سنوات بعقد ينص على أن يخرج من هذه الدار في نهاية السنوات العشر، وله دار على مقربة من هذه الدار ولكنها خَرِبَة. وقد غرته الدار التي استأجرها لما فيها من بهرج وزينة فنسي الدار الخربة التي لا بد أن يصير إليها، ومرت السنوات العشر، وانتهى عقد الإيجار، وعندئذ تذكر أن داره خربة لا تصلح للسكنى، فكان خروجه من الدار المستأجرة مصيبة وأي مصيبة.
   أما العاقل الذي بدأ إصلاح الدار الخربة منذ أن حلت قدماه في الدار المستأجرة، فإنه عمل على أن يرممها ويصلحها ويزينها على النحو الذي يروق له. حتى إذا انتهت السنوات العشر، خرج إلى الدار التي هو صائر إليها في نشوة وطرب وفؤاده يرقص فرحاً وبهجة(2).
   ويقول الصوفي أحمد الرازي الملقب بـ «مسكويه» في كتابه «تهذيب الخلائق تطهير الأعراق» بأن «الخوف من الموت ليس يعرض إلا لمن لا يدري ما الموت على الحقيقة، أو لأنه يظن أن بدنه إذا انحل وبطل تركيبه فقد انحلت ذاته وبطلت نفسه بطلان عدم ودثور، وأن العالم سيبقى موجوداً وليس هو بموجود فيه... أو لأنه متحير لا يدري على أي شيء يقدم بعد الموت، أو لأنه يأسف على ما يخلفه من المال والقنيات..
   بينما الموت ليس بشيء أكثر من ترك النفس استعمال آلاتها وهي الأعضاء التي يسمى مجموعها بدناً، كما يترك الصانع استعمال آلاته...».
   ثم يعرض مسكويه لما يراه بعض الحكماء، «بأن الموت موتان: موت إرادي وموت طبيعي، وكذلك الحياة حياتان: حياة إرادية وحياة طبيعية، وعنوا بالموت الإرادي، إماتة الشهوات وترك التعرض لها... وبالموت الطبيعي، مفارقة النفس البدن، وعنوا بالحياة الإرادية، ما يسعى له الإنسان لحياته الدنيا من المآكل والمشارب والشهوات، وبالحياة الطبيعية بقاء النفس السرمدي، بما تستفيده من العلوم الحقيقية، وتبرأ به من الجهل. ولذلك أوصى أفلاطون طالب الحكمة بأن قال له: "مت بالإرادة تحيى بالطبيعة" ثم يخلص مسكويه إلى القول: «بأن من فارقت نَفْسُهُ بَدَنَهُ وهي مشتاقة إليه مشفقة عليه، خائفة من فراقه فهي في غاية الشقاء... ومن ظن أن للموت ألماً عظيماً غير ألم الأمراض... فعلاجه أن يعلم أن الألم إنما يكون للحي... وأما من زعم أنه ليس يخاف الموت وإنما يحزن على ما يخلف من أهله وولده وماله فينبغي أن يعلم أن الحزن تعجل ألم ومكروه على ما لا يجدي الحزن إليه بطائل... فكل كائن فاسد لا محالة...».
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال للسيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: «من أحب لقاء الله، أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله، كره الله لقاءه» فقلت: أكراهية الموت؟! فكلنا نكره الموت، فقال: «ليس ذاك، ولكن المؤمن إذا بشر برحمة الله ورضوانه وجنته، أحب لقاء الله، فأحب الله لقاءه. وإن الكافر إذا بشر بعذاب الله وسخطه، كره لقاء الله، وكره الله لقاءه».
لذلك كان موت الكافر، الظالم، العاصي، مصيبة له، ولكنه في نفس الوقت راحة للناس من كفره وشره وظلمه، وخلاص لهم من طغيانه.
أما المؤمن الصادق فهو يرى في الموت فرحة لا تعادلها فرحة، وها هو بلال عندما اشتدت به بُرَحاءُ الموت، وقد سمع من يأسى ويحزن لفراقه، ويقول: واكرباه قال بلال: «بل واطرباه، غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه».
ولذلك فقد فهم العلماء بأن الموت نعمة كالحياة، رغم أنه في ظاهره إنحلال وتفسخ وصيرورة إلى العدم وهادم لللذات، وتتجلى نعمة الموت عند النورسي في مظاهر أربعة:(4)
أولها: الموت إنقاذ للإنسان من أعباء وظائف الحياة الدنيا ومن تكاليف المعيشة المثقلة. وهو باب وصال في الوقت نفسه مع تسعة وتسعين من الأحبة الأعزاء في عالم البرزخ، فهو إذن نعمة عظمى!
 ثانيها: إنه خروج من قضبان سجن الدنيا المظلم الضيق المضطرب، ودخول في رعاية المحبوب الباقي وفي كنف رحمته الواسعة، وهو تنعم بحياة فسيحة خالدة مستنيرة لا يزعجها خوف، ولا يكدّرها حزن ولا همّ.
 ثالثها: إن الشيخوخة وأمثالها من الأسباب الداعية لجعل الحياة صعبة ومرهقة، تبيّن مدى كون الموت نعمة تفوق نعمة الحياة. فلو تصورتَ أن أجدادك مع ما هم عليه من أحوال مؤلمة قابعون أمامك حالياً مع والديك اللذين بَلغا أَرذل العمر، لفهِمتَ مدى كون الحياة نقمة، والموت نعمة؛ بل يمكن إدراك مدى الرحمة في الموت ومدى الصعوبة في إدامة الحياة أيضاً بالتأمل في تلك الحشرات الجميلة العاشقة للأزاهير اللطيفة، عند اشتداد وطأة البرد القارس في الشتاء عليها.
أما مسكويه فيرى أنه لو جاز أن يبقى الإنسان لبقي من تَقَدَّمَنا، ولو بقي من تقدمنا من الناس على ما هم عليه من التناسل لما وسعتهم الأرض... هب أن رجلاً واحداً ممن كان منذ أربعمائة سنة هو موجود الآن... ثم ولد له أولاد وللأولاد أولاد، وبقوا كذلك يتناسلون ولا يموت منهم أحد، كم يكون مقدار من يجتمع منهم في وقتنا هذا؟!... إن الأرض حينئذ لا تسعهم قياماً فكيف قعوداً أو متصرفين... فكيف إذا امتد الزمان وتضاعف الناس على هذه النسبة.
رابعها: كما أن النوم راحة للإنسان ورحمة، ولاسيما للمبتلين والمرضى والجرحى، كذلك الموت -الذي هو أخ للنوم- رحمة ونعمة عظمى للمبتلين ببلايا يائسة قد تدفعهم إلى الانتحار.
   كما يرى النورسي «أن الموت بداية رحلة جديدة من الحياة. تأتي بعد أن يسلم المرء الروح ليبدأ مرحلة حياتية أشرف وأسمى من تلك الحياة المرئية المألوفة». كموت البذرة التي تبدأ حياة جديدة فتعطي الازدهار والثمار.
وكما ذكر الله تعالى الموت بأنه مصيبة في القرآن الكريم في سورة المائدة، الآية رقم 106 (أصابتكم مصيبة الموت)، وكذلك فقد أشار الله تعالى إلى أن حقيقة فناء كل حي، وبقاء الذات الإلهية متفردة بالبقاء والجلال هي نعمة إلهية كبرى، يسميها صاحب الظلال بأنها «أساس النعم كلها جميعاً» وذلك في تفسير قوله تعالى: (كل من عليها فان* ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام* فبأي آلاء ربكما تكذبان) [الرحمن:26-28] فهذه الآيات ترسم حقيقة البقاء الدائم- بقاء الوجه الجليل الكريم للذات الإلهية التي تخلق وتبدع، وتحفظ وتكلأ وتحاسب وتجزي، وهي التي تشرف من أفق البقاء على ساحة الفناء- أمام حقيقة فناء كل مخلوق حي(5). 
   ولذلك أيضاً يقول تعالى (تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير* الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً، وهو العزيز الغفور) [الملك: 1-2]، وقدم  الموت على الحياة، علماً «بأن الحياة مقدمة على الموت بالنسبة للمرحلة الزمنية والواقع الذي يعيشه الإنسان، ومع ذلك فإن البيان الإلهي يلفت نظر الإنسان أن عليه أن يهتم بما هو مقبل عليه أكثر من اهتمامه بما مُتَقَلِّبٌ فيه» (2) فالموت والحياة من صنع الخالق، وهو مالك الملك الذي ليس قبل مُلْكِهِ مُلْك، وليس بعد مُلْكِهِ ملك، وهو على كل شيء قدير، وابتلاء الأحياء (أي امتحانهم) لا يكون إلا إذا كان بعد حياتهم موت وحساب، ليميز الله الخبيث من الطيب، وليجزي الذين أحسنوا بالحسنى.
وكما يقول أهل الحكمة:
«أنت الذي ولدتك أمك باكياً والناس حولك يضحكون سروراً فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسروراً».
خلاصة القول بأن الموت نعمة لصاحبه إذا عمل له في حياته، واستعدَّ له استعداداً صحيحاً كما أمر الله بذلك، «والمصيبة» تكون عند الأهل والأقارب والأصحاب مصيبة الحزن بنتيجة الفراق.

1) ابن الأثير، جامع الأصول من أحاديث الرسول، 11/8696

2) موقع: www.55a.net
3) موقع www.islamonline.net
4) فلسفة الموت عند النورسي. أ.د. مصطفى بنحمزة. www.benhamze.net
5) في ظلال القرآن. سيد قطب، ج 7، ص 684.